الشوكاني
170
فتح القدير
به ، ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات والشياطين نصيبا مما رزقناهم من أموالهم يتقربون به إليه . وقيل المعنى : أنهم أي الكفار يجعلون للأصنام وهم لا يعلمون شيئا لكونهم جمادات ، ففاعل يعلمون على هذا هي الأصنام وأجراها مجرى العقلاء في جمعها بالواو والنون جريا على اعتقاد الكفار فيها . وحاصل المعنى : ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعقل شيئا نصيبا من أموالهم التي رزقهم الله إياها ( تالله لتسألن عما كنتم تفترون ) هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب ، وهذا السؤال سؤال تقريع وتوبيخ ( عما كنتم تفترون ) تختلقونه من الكذب على الله سبحانه في الدنيا ( ويجعلون لله البنات ) هذا نوع آخر من فضائحهم وقبائحهم ، وقد كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله ( سبحانه ) نزه سبحانه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة ولا أفهام مستقيمة - إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل - وفى هذا التنزيه تعجيب من حالهم ( ولهم ما يشتهون ) أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهوونه من البنين على أن " ما " في محل نصب بالفعل المقدر ، ويجوز أن تكون في محل رفع على الابتداء . وأنكر النصب الزجاج قال : لأن العرب لا يقولون جعل له كذا وهو يعنى نفسه ، وإنما يقولون جعل لنفسه كذا ، فلو كان منصوبا لقال ولأنفسهم ما يشتهون . وقد أجاز النصب الفراء . ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ) أي إذا أخبر أحدهم بولادة بنت له ( ظل وجهه مسودا ) أي متغيرا ، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض ، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار والتغير بما يحصل من الغم ، والعرب تقول لكل من لقى مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا قاله الزجاج . وقال الماوردي : بل المراد سواد اللون حقيقة ، قال : وهو قول الجمهور ، والأول أولى ، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي ، وجملة ( وهو كظيم ) في محل نصب على الحال : أي ممتلئ من الغم غيظا وحنقا . قال الأخفش : هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره ، وقيل إنه المغموم الذي يطبق فاه من الغم ، مأخوذ من الكظامة وهو سد فم البئر قاله علي بن عيسى ، وقد تقدم في سورة يوسف ( يتوارى من القوم ) أي يتغيب ويختفي ( من سوء ما بشر به ) أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له ( أيمسكه على هون ) أي لا يزال مترددا بين الأمرين : وهو إمساك البنت التي بشر بها ، أو دفنها في التراب ( على هون ) أي هوان ، وكذا قرأ عيسى الثقفي . قال اليزيدي : والهون الهوان بلغة قريش ، وكذا حكاه أبو عبيد عن الكسائي ، وحكى عن الكسائي أنه البلاء والمشقة ، قالت الخنساء ، نهين النفوس وهون النفو * س يوم الكريهة أبقى لها * وقال الفراء : الهون القليل بلغة تميم . وحكى النحاس عن الأعمش أنه قرأ " أيمسكه " " على سوء ( أم يدسه في التراب ) أي يخفيه في التراب بالوأد كما كانت تفعله العرب ، فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى مترددا بين هذين الأمرين ، والتذكير في يمسكه ويدسه مع كونه عبارة عن الأنثى لرعاية اللفظ . وقرأ الجحدري " أم يدسها في التراب " ويلزمه أن يقرأ أيمسكها ، وقيل دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس لإخفائه عن الأبصار ( ألا ساء ما يحكمون ) حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى الله سبحانه وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم ومثل هذا قوله تعالى - ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذا قسمة ضيزى - ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) أي لهؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه بهذه القبائح الفظيعة مثل السوء : أي صفة السوء من الجهل والكفر بالله ، وقيل هو وصفهم لله سبحانه بالصاحبة والولد ، وقيل هو حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم ووأد البنات لدفع العار وخشية الإملاق ، وقيل العذاب والنار ( ولله المثل الأعلى ) وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل